سنعيد حقوق صغار المودعين" ...كريم سعيد يحمّل المسؤولية للدولة اللبنانية -- Jun 03 , 2026 150
في واحدة من أكثر المواقف وضوحاً منذ توليه مهامه، رسم حاكم مصرف لبنان كريم سعيد معالم مقاربته لمعالجة الأزمة المالية والمصرفية، مؤكدا أن لبنان يواجه "أزمة نظامية" شاملة لا يمكن اختزالها بمشكلة مصرفية أو نقدية فحسب، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المالية والاقتصادية الخاطئة.
وجاءت مواقفه خلال لقاء حواري وتشاركي عقده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حيث شدد على أن استعادة حقوق المودعين وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المالية العامة تشكل عناصر مترابطة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض.
وفيما دعا رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي شارل عربيد إلى حماية حقوق المودعين والإسراع في إقرار قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، قدّم سعيد عرضا مفصلا للأزمة وأسبابها وآفاق معالجتها، لافتا الى أن "الانهيار طال الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي وثقة المواطنين في الوقت عينه".
لبنان يواجه أزمة نظامية غير مسبوقة اخر الاخبار المحلية
في عرض مطوّل تناول جذور الأزمة المالية ومسارات معالجتها، أكد سعيد أن لبنان لا يواجه أزمة مصرفية تقليدية، بل أزمة نظامية شاملة طالت الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي وثقة المواطنين في آن واحد.
وقال: "لقد مضت ست سنوات منذ أن أصبح الانهيار المالي والمصرفي أمرا لا يمكن إنكاره"، معتبرا أن ما حصل هو نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المالية غير المستدامة وغياب الإصلاحات الفعلية.
وأضاف أن الأزمة اللبنانية "أزمة نظامية بكل ما للكلمة من معنى"، موضحا أن الانهيار شمل القدرة المالية للدولة والمركز المالي لمصرف لبنان وسيولة القطاع المصرفي، ما أدى إلى انهيار شامل للنظام المالي.
الدولة هي أصل الأزمة
من أبرز الرسائل التي حملها خطاب سعيد تأكيده أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة، خلافا لما حصل في العديد من الأزمات العالمية التي كان القطاع الخاص سببها الرئيسي.
وقال: "في لبنان، كانت الدولة بسبب التهور المالي والاستدانة الشرسة والممنهجة هي اللاعب الرئيسي في هذه المأساة الوطنية"، موضحا أن النموذج الاقتصادي اعتمد لعقود على تمويل عجز الدولة من خلال الودائع التي استقطبتها المصارف وأعادت توظيفها لدى مصرف لبنان. العرب وشعوب الشرق الأوسط
وأكد أن "مصرف لبنان يتحمل بدوره مسؤولية كبيرة نتيجة إخفاقه في أداء دوره الرقابي، فيما تتحمل المصارف التجارية مسؤولية الاستفادة من هذا النموذج وتحقيق أرباح مرتفعة منه".
المودعون ضحايا وليسوا مسؤولين
شدد سعيد على أن مصرف لبنان يتمسك بمبدأ حماية المودعين وعدم تحميلهم الجزء الأكبر من الخسائر.
وقال: "المودعون لا يتحملون أي مسؤولية مباشرة بل هم ضحايا هذا الانهيار"، مؤكدا أن أي خطة تعاف يجب أن تنطلق من هذا المبدأ.
وأضاف: "لن يؤيد مصرف لبنان أي خطة تُحمّل المودعين العبء الأكبر لخسائر لم يتسببوا بها"، معتبرا أن العدالة تفرض توزيع الأعباء على الأطراف التي ساهمت في صناعة الأزمة.
تسييل الاصول لتحمل حصة من المسؤولية
وفي ما يتعلق بحقوق المودعين، أكد سعيد أن استرداد الودائع يشكل "ركيزة غير قابلة للتفاوض" في أي خطة إصلاحية.
وكشف أن "مصرف لبنان سيعمل على تسييل الأصول التي يملك صلاحية التصرف بها للمساهمة في تحمل حصته من المسؤولية"، قائلا: "سيعمل مصرف لبنان على تسييل جميع الأصول التي يملك صلاحية التصرف بها وبيعها، بما في ذلك حصصه وأسهمه في الشركات العاملة ومعظم محفظته العقارية، بالإضافة إلى محفظته من الأوراق المالية".
كما أكد أن الديون المستحقة لمصرف لبنان على الدولة ستشكل جزءا من الموارد التي يمكن الاستفادة منها في إطار المعالجة.
لا استقرار ماليا من دون إصلاح الدولة
ورأى سعيد أن إعادة هيكلة المصارف وحدها لا تكفي لتحقيق التعافي، مؤكدا أن جوهر الحل يكمن في إصلاح المالية العامة.
وقال: "لا يمكن لأي معالجة مصرفية أن تنجح أو تستمر في ظل دولة لا تمول نفسها بنفسها وبصورة سليمة ومستدامة".
وأضاف: "مصرف لبنان لا يستطيع طباعة الاستقرار المالي، بل إن مسؤولية تحقيقه تقع على عاتق الدولة من خلال حسن الإدارة والحكم الرشيد"، داعيا إلى إصلاح المؤسسات العامة وتعزيز الإيرادات وترشيد الإنفاق العام.
التعافي يحتاج سنوات لا أشهر
ورفض الحاكم تقديم وعود سريعة بشأن الخروج من الأزمة، مؤكدا أن عملية التعافي ستكون طويلة ومعقدة.
وقال: "لن أقدم الوهم المريح المتمثل بالتعافي السريع"، موضحا أن المرحلة الأولى تمتد بين عامي 2026 و2027 وتشمل التدقيقات وإقرار القوانين الأساسية والبدء بإعادة جزء من حقوق صغار المودعين.
وأشار إلى أن إعادة الهيكلة الفعلية للمصارف والدين العام يفترض أن تبدأ بين عامي 2027 و2028، فيما يمكن للبنان أن يستعيد تدريجيا قدرته على التمويل والائتمان والعودة إلى الأسواق المالية بين عامي 2028 و2030 إذا تم الالتزام بالإصلاحات المطلوبة. بث مباشر
مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة
وتناول سعيد ملف الفساد والأموال المحولة إلى الخارج، معتبرا أن لبنان شهد "سرقة كبرى استهدفت الشعب اللبناني ومصرفه المركزي ومودعيه".
وأكد أن مصرف لبنان يتعاون مع السلطات القضائية اللبنانية والأجنبية في التحقيقات الجارية، مشددا على أن أي أموال يتم استردادها يجب أن تعود إلى أصحاب الحقوق.
وقال: "إن أي أموال يتم استردادها من خلال هذه الإجراءات تعود للمودعين، فهي ليست موردا للدولة يمكن إعادة توجيهه أو التصرف به".
رؤية قائمة على المساءلة والإصلاح
واختتم سعيد كلمته بالتأكيد أن الأزمة الحالية لم تكن نتيجة ظرف عابر، بل نتيجة عقود من السياسات الخاطئة وغياب المساءلة، مشددا على أن التعافي لا يزال ممكنا إذا توافرت الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة للمال العام.
وقال: "الطريق واضح، والخيارات صعبة لكن معروفة، وما ينقصنا ليس المعرفة، بل الإرادة". العرب وشعوب الشرق الأوسط
وشهد اللقاء حضور رئيس لجنة الاقتصاد النيابية النائب فريد البستاني وعدد من النواب والفعاليات الاقتصادية والمالية وممثلي الهيئات الاقتصادية والمؤسسات الرسمية.